بيروت ـ من وسام أبوحرفوش: مع هبوط الليل امس على بيروت اطلت شمس الحرية ، وبدت الطائرة الالمانية التي اقلت الاسرى المحررين كـ قرص ضوء في عتمة

مستدامة، وحوّل هدير محركاتها والحدث الليل نهاراً في العاصمة اللبنانية التي لم تنم، كما كل المناطق «المحظوظة» بعودة ابنائها من زنانين اعوام طويلة.

بين هبوط الطائرة على المدرج ـ المسرح وهبوط الاسرى الى احضان الاحتفال، دقائق بدت كأنها زمن، والمشهد الرسمي الذي تصدرته «دهشة» رؤساء الجمهورية البرلمان والحكومة لم يحجب الابتسامة «الساحرة» لسماحة امين عام الحدث السيد حسن نصرالله الذي كان «ريس» الانتصار.


وصول الطائرة الذي تأخر لبضع ساعات كان صفارة انطلاق لاحتفال داخل حرم المطار وخارجه، في بيروت وعلى امتداد خريطة لبنان، التي بدت امس مرقطة بالاعراس، من جنوب الجنوب الى الشمال وجباله الاشم، مروراً بالبقاع خزان الثروة والثورة، وبالساحل وساحاته.


في المطار فرش السجاد الاحمر لـ «ضيوف» كالرؤساء آتين من خلف القضبان، وصالون الشرف شرع ابوابه للحدث المشرف وصناعه ,,, الاسرى وأهلهم، فكان مشهد دموع لم يشهده «الصالون الرسمي» من قبل، وحفل عناق لم تألفه التقاليد

الديبلوماسية لهذا الممر البروتوكولي.موسيقى واناشيد وهتافات ودموع ودقات قلب في المطار، وفي المقلب الخلفي تظاهرة ناس لم يتسع لها المكان فاحتشدت في الخارج ترقص وتبكي، وسط كرنفال اعلام ويافطات.


ومسافة مرمى العين بين مطار «الاحتفال الرسمي» وضاحية «العرس الثوري» كانت طويلة على وقع شلالات حشدو جاءت من كل المناطق الى «عاصمة» حزب الله الذي قرر الاحتفال بانجازه على طريقته ,,, خطاب لنصر الله ونصره والذي شكل «النصف الاخر» من حدث امس.


وكان رئيس الجمهورية اميل لحود، الذي وفر التغطية السياسية الكاملة لـ «حزب الله» في مقاومته ومفاوضته، تابع عبر التقارير المراحل المعقدة لتنفيذ عملية التبادل، وخصوصاً مع اقلاعها عبر الطائرتين من بيروت وتل ابيب وصولاً الى المانيا.


واطلع لحود بـ «تدقيق» على ردود الفعل الاقليمية والدولية على ما جرى، اضافة الى متابعة القريبين منه للتحضيرات اللوجيستية التي كانت تجري في مطار بيروت والمناطق استعداداً لاستقبال الاسرى.وكانت الاستعدادات قد بدأت منذ صباح

امس الباكر في مطار بيروت الدولي وحرمه ومحيطه وجميع الطرق المؤدية اليه لاستقبال الاسرى المحررين الذين اقيم لهم استقبال رسمي وشعبي حاشد بمشاركة اركان الدولة ووزراء ونواب وشخصيات ورؤساء البعثات الديبلوماسية والامين العام لـ «حزب الله» وفرش السجاد الاحمر من المدرج الى صالون الشرف.


واتخذت تدابير امنية مشددة للغاية من الجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي لمنع اي خلل يعوق تأخير وصول المحررين الى ذويهم وتسهيلاً لحركة السير على طول الطريق المؤدية الى المطار، فيما استمرت حركة الملاحة الجوية في المطار في شكل

طبيعي كما اعلنت المديرية العامة للطيران المدني.ورفعت على طول الطريق المؤدية الى المطار صور نصرالله والمحررين ولافتات ترحب بعودتهم الى ارض الوطن ودور المقاومة.


كما رفعت الاعلام اللبنانية واعلام لـ «حزب الله», واتخذت ترتيبات خاصة في شأن تسهيل مهمة الاعلاميين من مراسلين ومصورين محليين وعرب واجانب تولوا تغطية وقائع هذا الحدث عبر شاشات التلفزة ووسائل الاعلام المكتوبة والمسموعة، وخصصت لهم اماكن لمواكبة وصول الاسرى المحررين.


المطار ليلاً
وكانت المرحلة الاولى من عمليات التبادل قد بدأت ليل امس مع وصول طائرة المانية خاصة الى مطار بيروت من نوع «ايرباص 210» تابعة للقوات الجوية الالمانية تحمل رقم التسجيل 1024 في رحلة رقم 449 آتية من مطار كولونيا, وحطت على المدرج الغربي رقم 17 في الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل وكتب على جسمها الخارجي luftwaffe.


واحيطت الطائرة بتدابير امنية مشددة اتخذها الجيش الذي ضرب طوقاً امنياً حول المكان وعلى طول الطريق المؤدية الى المطار, ووصل فيها فريق الماني بينه خبير طبي.


وعلم انها حملت طاقماً متخصصاً بفحص الجثث التي تم التعرف اليها والتحقق من هويتها استناداً الى فحص الاسنان, وكان في حوزة الفريق الالماني ملف عن كل من الجنود الثلاثة.


وبعد اقل من نصف ساعة من هبوط الطائرة العسكرية الالمانية في مطار بيروت، بثت قناة «المنار» التلفزيونية الناطقة باسم «حزب الله» اول اعتراف للحزب بان الجنود الثلاثة اموات، واضعاً حداً للتكهنات عن احتمال ان يكون بينهم احياء.


كذلك بثت «المنار» الصور الاولى للضابط المتقاعد الحنان تننباوم منذ اسره في 17 اكتوبر 2000 , وقد بدا بصحة جيدة وهو يرتدي ملابسه ويوضب امتعته استعداداً لنقله الى المطار من مكان احتجازه, وبعد عرض لقطات له في غرفة يتوسطها

سرير، بثت المحطة مقاطع قصيرة من مقابلة اجريت معه في صالون انيق وبدا فيها مرتاحاً، علماً ان تننباوم تحدث بالعبرية فيما اوردت «المنار» ترجمة لكلامه بالعربية.


وبعد وقت قصير احضرت الى المطار جثث الجنود الاسرائيليين الثلاثة الذين اسرهم «حزب الله» العام 2000 وهم ادي ابيتان وابراهام بنيامين وعمر سويد, ووضعت جثث الجنود داخل نعوش خشب يحمل كل منها رقماً، وعلى كل منها ورقة

للتعريف بصاحب النعش, ووضعت النعوش في البداية قرب الطائرة الالمانية ثم نقلت اليها اضافة الى صناديق خشب كبيرة واخرى حديد تحتوي على بعض الاغراض والاقنعة الخاصة بالجنود.


ثم احضر العقيد الاسرائيلي المتقاعد تننباوم، الذي بدا طليق اليدين وبصحة جيدة، وكان يرتدي بزة رمادية وربطة عنق ويحوطه ممثلون للجانب الالماني, وبعد اجابته عن عدد من الاسئلة صعد تننباوم الى الطائرة التي غادر فيها ايضاً ممثل الدولة

اللبنانية المدير العام للامن العام اللواء الركن جميل السيد الذي عاد الى بيروت مساء في الطائرة الالمانية الخاصة التي اقلت الاسرى اللبنانيين والعرب, كما غادر فيها رئيس لجنة الارتباط والتنسيق في «حزب الله» وفيق صفا.


ووضعت نعوش الجنود الاسرائيليين داخل الطائرة وسط اجراءات امنية مشددة اشرف عليها قائد جهاز امن المطار العميد وفيق شقير, وتمت عملية النقل في حضور المسؤول الاعلامي في «حزب الله» حسن عز الدين الذي اكد في تصريح في

المطار اهمية الحدث, وقال: «هذا التبادل هو في الدرجة الاولى انتصار للبنان وشعبه بكل طوائفه وبكل قواه السياسية بعدما دعم خيار المقاومة الذي اوصل لبنان الى تحرير معظم اراضيه، وتمكن من تحرير اسراه لما لهؤلاء من قيم وطنية وانسانية لان كرامة الانسان وعزة الانسان هي الاساس».


ماذا بعد المرحلة الاولى ومتى يتوقع ان تتم المرحلة الثانية على صعيد تحرير المناضل سمير القنطار والمعتقلين الباقين في السجون الاسرائيلية؟


ـ كما تعلمون المرحلة الاولى ستنتهي مساء اليوم (امس) وغداً الجمعة (اليوم)، ويجب الا ننسى ان هناك ارضاً لا تزال محتلة، وما زال هناك معتقلون ايضاً لان سمير القنطار سيبقى القضية الاساسية لهذا الوطن المقاوم، وسيبقى في اولوية جدول اعمال الحكومة والدولة وللعمل بكل ما تملك المقاومة من امكانات وسبل في سبيل تحقيق هذا الهدف.


وهل سيستمر الوسيط الالماني في وساطته من اجل كشف مصير رون اراد ومبادلته بالاسرى والمعتقلين العرب؟
ـ اعتقد ان ذلك جزء من الاتفاق باعتبار ان المرحلة الثانية تنص على انه في مقابل اي شيء يمكن ان يحصل في شكل ايجابي، سيكون هناك فائدة كبيرة جداً وليس فقط له بل على مستوى المعتقلين الاخرين ايضاً.


وفي السابعة صباحاً بالتوقيت المحلي، حطت في مطار كولونيا الطائرة الالمانية التي تقل الحنان تننباوم وجثث الجنود, وبعد هبوطها حطت طائرة عسكرية اسرائيلية تقل ثلاثين من الاسرى العرب واللبنانيين اتية من تل ابيب، في اطار تبادل الاسرى بين اسرائيل و «حزب الله».


وظهراً بتوقيت بيروت اعلنت اسرائيل التعرف على رفات الجنود الذين تم تسليمهم، واكد الفريق الطبي هوية الجثث الثلاث بعد فحصها في مطار كولونيا، وزار ضباط عسكريون اسر الجنود لابلاغها نتائج الفحوص التي اجراها خبراء الطب الشرعي

الاسرائيليون على الرفات في قاعدة جوية في المانيا, وقال صفا قبل اقلاع الطائرة التي تقل المحررين: «فور وصولنا، عقدنا لقاء مع الوسيط الالماني والفريق المساعد وتفحصنا الاسرى اللبنانيين».


وعلى الاثر وصلت ثماني شاحنات مليئة برفات الشهداء اللبنانيين من قاعدة في الجليل الغربي الى معبر الحدود مع لبنان في رأس الناقورة لتسليمها الى اللجنة الدولية للصليب الاحمر.


وكانت التحضيرات توالت في لبنان لاستقبال الاسرى، وانجزت الاستعدادات في النبطية لاستقبال الشيخ عبد الكريم عبيد في بلدته جبشيت ولاستعادة رفات شهدائها، وعرف منهم في بلدة كفررمان: فؤاد سلامة، علي سلامة، محمد حسن قانصوه،

كامل حسن محيي الدين وابراهيم جميل ضاهر, وفي زوطر الشرقية: يسرى فياض اسماعيل، وفي حبوش: معروف درويش، وفي كفركلا: محمد حسين برو، وتستعد بلدتا القليعة وكفر كلا لاستقبال الاسيرين مخايل عطاالله نهرا وعلي محمد برو.وفي مشغرة البقاعية، استكملت الاستعدادات لاستقبال الاسير المحرر حسن محمد العنقوني.


ورفت لافتات الترحيب بالاسرى المحررين في شوارع صيدا (الجنوب) ورفعت الاعلام اللبنانية والالمانية واعلام «التنظيم الشعبي الناصري» واعلام «حزب الله».


وفي بلدة ببنين ـ عكار، بدأت الاستعدادات لاستقبال ثلاثة اسرى محررين هم ديب وحسين اويظة وفادي عاواد.وتنتظر منطقة الشمال وصول رفات ستة شهداء هم: ايلي حداد (المشيرفة)، حسام العلي (الدورة ـ عكار)، حسام حجازي (الميناء ـ طرابلس)، الياس حرب (تنورين)، زياد عاصم (الهري)، واحمد السيد احمد.

/ 0 نظر / 3 بازدید